الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2015

احتضان





بخطى سريعة أمضي نحو ذلك المبنى الكئيب المُمرض ، احاول تجنب النظر لتلك اليافطة الضخمة التي تعلوه ، وللأسف أفشل ، فتقع عيني على هذه الكلمات الموحشة والقابضة للقلب " معهد أورام جنوب الصعيد " فتسري في جسدي القشعريرة وكأن شبح الموت الحائم هنا نفث بعض أنفاسه الباردة في وجهي ، فأحكم إغلاق معطفي جيداً وأكمل طريقي مسرعة ..

يرن هاتفي فأجيب بكلمات مقتضبة : نعم أنا هنا الآن ، لا تقلقي ، سوف أصل سريعا ً ..

وأمام بوابة الإستقبال أتمهل قليلا ًفي السير وأسأل حارس البوابة غير المكترث بمن يمر أو يخرج :- لو سمحت معمل الدم فين؟

ولكنه لا يجيبني ويكتفي بدلاً من ذلك بالإشارة بذراعه الطويلة ناحية اليمين ، فأشكره وأمضي، لم يكن الطريق طويلا ً حتى أصل لوجهتي التي أريدها ، ولكن ذكرياتي المؤلمة عن من ماتوا يوماً ما في مثل هذه الأماكن الموحشة ، جعلني أشعر بأن الدقائق التي أقضيها هنا تمر كأنها دهر .
وأمام معمل الدم أخذ نفساً عميقاً ثم أطرق على الباب طرقات خفيفة ووجلة ، ولكن لا يجيبني أحد من الداخل ، حتى هذه الطبيبة الجالسة على المكتب المقابل للباب والتي ألمحها من زجاج الغرفة ، فأزيح الباب قليلا ً بيدي وأدلف ، ترفع عينيها قليلا ًعن أوراقها المتناثرة أمامها وتنظر لي بدون إهتمام ، أخبرها بأني هنا للتبرع بالدم لمريضة ما لا أعرف عنها شئ سوى اسمها , والذى أخبروني به عبر الهاتف ، فتقلب في أوراقها ثم تجيب بضيق :- نعم يوجد مريضة بهذا الاسم ، انتظرى بالخارج قليلا ًوسوف آتيكِ عندما أنتهي من عملي ، أتمالك غضبي من طريقتها البغيضة وأخرج وأنا أتسائل بينى وبين نفسي :-

هل كل من يتواجد هنا بغيضون هكذا ؟!

هل كآبة مبناهم ووحشته أنعكست عليهم ؟!

أم أن كأبتهم وعدم مبالاتهم هم هي التي انعكست على مبناهم ؟ !

وفي الردهة أقف وحيدة تماماً ، وقلقة بعض الشئ من هواجسي البغيضة التي تملكتني كالخوف من الإصابة بالدوار الشديد أو سقوطي مغشياً علي بعد التبرع مثل المرة السابقة ، فأندم قليلا ًعلي حضوري وحدي بدون إنتظار من يأتي معي ، أسير بضع خطوات للأمام في محاولة يائسة للتغلب علي هواجسي المقلقة تلك، وأنا ألتقط بعض قطع الحلوى الصغيرة من حقيبتي وأحشرها بداخل فمي ، علي أمل رفع مستوى السكر في دمي حتى لا أصاب بالهبوط والدوار لاحقاً، وأحدث نفسي : - ما أنت ِ طول عمرك وحدك أيه الجديد يعني ؟!

وعلى بعد خطوات قليلة ألمحها ، فتاة قروية نحيلة الجسد ، شاحبة الوجه ، من يراها يخيل له بأنها لم تأكل منذ زمن بعيد ، ولكن أكثر ما يلفت انتباهي لها طول ذراعيها النحيلتين اللتين كانتا تلوح بهم عند حديثها مع المرأة التي بجوارها ، كانت تخبرها عن أمها المريضة التى تنتظر متبرع مناسب منذ أيام ، وعندما تنتبه لوجودي تقترب مني قليلاًوتسألني عن اسمي، فتبتهج عندما تدرك بأني ذلك الشخص المنتظر ليمنح أمها بعض قطرات من الدم وبالتالي بعض الوقت الإضافي للإستمرار في هذه الحياة البائسة .
في عفوية غريبة كأنها تعرفني منذ زمن تأخذ بيدي وتجلسني بجوارها ، ثم تفتح كيساً بلاستيكياً أسود وتخرج علبتين من العصير الصناعي ، فتدس أحداهما في يدي بعدما أزاحت عنها غطاؤها وهى تصر أن أشربها ، متمرسة هى بالطبع في مثل هذه الأمور واعتادت عليها ، فأنا لم أكن المتبرع الأول لأمها ولن أكون الأخير لتفعل ذلك .
اعتذرت لها بلباقة بأنني غير قادرة الآن علي شرب أي شئ ، يكفيني قطع الحلوى التي أكلتها منذ قليل وبعض العلكة التى ألوكها فى فمى ، وعندما تفشل في اقناعي تخبرني أنها سوف تحتفظ بهم لأشربهم لاحقاً بعد الإنتهاء من التبرع ، أبتسم بلطف وأشكرها ، وأنا أحاول إخفاء رغبتي في إخبارها بأن من عليها أن تشرب هي ولست أنا، فهي بالتأكيد أولي بها مني بجسدها الضامر هذا ووجهها المجهد الشاحب .
تعود للحديث مرة أخرى مع تلك المرأة التي بجوارها عن والدتها المريضة ، وهي تنظر لي من حين لآخر كأنها تريد أن تُشركني الحديث معهم ، ولكني أهرب من عينيها الحزنتين بالنظر في الإتجاه الآخر ، لا أريد سماع ما يزيدني وجعا ً .. وحزناً .. وكآبة ، أنا هنا فقط لزيادة رصيد حسناتي قليلا ًبتبرعي ببعض دمي لمريضة في حاجة ماسة له ، لا فائدة إذا ً من تعاطف زائف لبعض الوقت وعند عودتي للمنزل سأنسى كل شئ عنها ، اسمها ، مرضها ، ومأساتها أيضاً ! ،كل ما أريده الآن إنهاء ما جئت من أجله سريعا ً وأرحل ..
في ذلك الحين تخرج الطبيبة وتشير لي بأن أتبعها ، أنهض وأتبعها للداخل وأغيب هناك بضع دقائق ، وعندما أنتهي أخرج مسرعة بإتجاه الباب لأعود سريعا ً إلي المنزل ، فأجدها تقف بإنتظاري على باب الغرفة ، تحمل في يديها علبة العصير التي أصرت أن تحتفظ بها لأشربها لاحقا ً ، حاولت التهرب منها وأتعلل بأنى بخير و لا أحتاج لشئ ، وأن كل ما أريده الآن الرحيل ، فتشكرني كثيراً وهي تدعو لي بدوام الصحة والعافية ، فأبتسم لها وأدعو بالشفاء العاجل لوالدتها المريضة ، وبنفس عفويتها السابقة تقوم بإحتضاني ، لا أعلم كيف أستطاعت إحتوائي كلي هكذا ! ، هل ساعدها في ذلك بنية جسدى الصغيرة ؟! أم طول ذراعيها النحيلتين ؟! أم الإثنين معا ً ؟!

احتضانها المفأجئ هذا جعلني أسكن قليلاً ، جعلني أنسي شعور الدوار والتعب اللذين ألما بي ، وجعلني أنسي كم كنت أكره سابقا ًاحتضان الآخرين لي ، وجعلني أبحث في ذاكرتي عن سابقة احتضان مثل هذا، ولكني لم أجد حضناً يشبه هذا الحضن الغريب ، حضنها الدافئ في ليلة شتوية باردة من كل شئ، جعل الجليد الذي بداخلي يذوب ويتساقط ، هذه وحدتي تذوب وتتساقط ، وهذه مشاعرى اللامبالاية تذوب وتتساقط ، حتي قوتي الزائفة التى كنت أتصنعها كانت تذوب وتتساقط ..
كنت أرغب في البقاء هنا لفترة أطول ، لكن علي أن أغادر الآن بذاكرة الإحتضان الدافئ هذا من فتاة لا أعرفها ، على أمل أن أجد ذكرى مشابه فى حضن أعرفه ، شكرتني للمرة الأخيرة وشكرتها أنا أيضا ً ، على القسمة العادلة التي حصلنا عليها بعض من دمي مقابل بعض من حنانها الذي أذاب الثلج المتراكم منذ سنوات ، أودعها وأمضي مسرعة للخارج وأنا أردد بصوت خافت :-
“أما الدنيا دي حلوة حلاوة
يخرب بيت كده..
تمد إيدك تساعد حد
يرد عليك بنظرة رضا..
ما تعرفش ساعتها
مين اللى كان محتاج للتانى ..” *

*لــ علي سلامة



من كتاب أحاديث الحب والهرب صفحة الكتاب على goodreads

هناك 13 تعليقًا:

  1. جميله جميله جميله البنت الطيوبه بطله القصه موجوده فى كل مكان بطبطب ع الغلبان وبتوقف جنبه بحنيه بس اللى عاجبنى اكتر شخصيه البنت بنت المريضه برغم كل دا وابتسامتها حاسس انها مرسومه على وشها

    ردحذف
  2. ممتاز



    http://prokr.com/furniture-moving-company-jeddah/
    http://shoala.net/

    ردحذف
  3. ممتاز
    http://jeddahrealestate.prokr.com/
    http://jeddahrealestate.prokr.com/apartments-for-rent/
    http://jeddahrealestate.prokr.com/apartments-for-sale/

    ردحذف