الاثنين، 16 نوفمبر، 2015

كذبك حلــو


عاشقة أنا لرجل كاذب ، رجل يسقيني خمرا ً من بحور الكذب حتى الثمالة ، رجل على يديه كرهت الصدق وتمنيت لو أن العالم أجمع قادر على أن يكذب مثله ..
بل عاشقة أنا لأجمل كاذب في الوجود ، لو عَلمت النساء بشأنه لتقاتلت في سبيل الحصول عليه ، هو آخر رجل في هذا الكون يتقن فن الكذب ويحترف نسج الخيال رجل يحمل في جعبته دوماً علبة من الألوان بلمسة واحدة منه قادر على أن يلون كل الأشياء من حولي ..
ذات مساء سألني عن لوني المفضل .. ولم ينتظر إجابة وقال : بالطبع لونك المفضل هو الأبيض ..
فأجابته : نعم، ولكن كيف عرفت ؟!
: لأن الأبيض يناسبك كثيرا ً ياحلوتي السمراء ، فهو لون يعشقك ويحاول أن يتشبه بقلبك وليته يستطيع أن يصبح بمثل نقاء وطهارة قلبك ..
حبيبتي يوما ً ما سوف أصنع لك عالمك ِ الخاص بك ِ فقط عالم أبيض لا ينسج إلا من بياض قلبك ، ولن أسمح بدخول أي من الألوان إليه ، والتي بالتأكيد سوف تنتحر على أعتاب مدينتنا حزناً على فراقك ..
ولأن أميرتي دوما ً كعروس في يوم زفافها فأثوابك كلها لابد تكون من الحرير الأبيض والمخمل ومطرزة بحبات اللؤلو والفضة ، سوف أسكنك قصر جدرانه من الشيكولاتة البيضاء التي تعشقينها ، وكلما سيرتِ في طرقاته تبعتكِ أسراب الحمام ، وسوف يطل قصرنا على نهر من لبن محلى بعسل مصفى ، لتغتسلي منه كل صباح ولكن أخاف أن تذوبي به ياحلوتــي السمراء ..
وعلى ضفاف النهر ترسو مراكب من قطع البسكويت الهش أشرعته من الكريما المخفوقة ، والتي لن تحمل أحداً سواكِ فتأخذكِ إلى حيث تشائين ..
أما سماء مديتنا سوف تكون ملبدة دائماً بالغيوم المصنوعة من غزل البنات وقطع المارشيملو ما عليكِ فقط إلا أن تشتهيها وآتيكِ بها لتتذوقيها من يدي أنا فقط _ على الرغم _ من أنه سوف يكون في خدمتك عشرات من الجنيات الصغيرات ، وانسي تماماً أن تحوي مديتنا رجلاً واحداً فلن أسمح لرجل غيري أن يلمح طيفك يوما ً ..
في كل صباح سوف أهديكِ عقداً من زهور الياسمين ، وطوقاً من حبات الفل ، وقارورة عطر برائحة الفانيلا لأن حديقتنا لن تنبت ألا زهور بيضاء فقط ..
وفي المساء سوف أهديك جناحين لنحلق إلى السماء السابعة لنرقص بين النجوم والقمر على مقطوعة ضوء القمر لبيتهوفن .. وحتى رقعة الشطرنج سوف تصبح بلون واحد ، وسوف نلعب أنا وأنت ِ بالبيدق الأبيض وسوف تفوزين أنتِ بالطبع في كل مرة ..
سوف أجعل لكِ مكتبة ضخمة تحوي فقط قصص الركن الأخضر _ والتي سوف احكيها لك ِ كل مساء قبل أن يأخذك ِ النوم بين أحضانه _ وشاشة عرض ضخمة لنستمع سويا ً لشرائط أفلام الكارتون ، وسوف أقيم على أطراف مديتنا مصنعاً ضخماً يصنع لكِ أنت ِ فقط العرائس والدمى ذات الفرو الأبيض والتي تحمل رائحة الفراولة التي تحبينها ..
أما أطفالنا فلن يولدوا كباقي الأطفال ، بل سوف يأتوننا من السماء ، يحملهم طائر اللقلق الأبيض بفمه ليضعهم على شرفتنا ونحن نائمون .. وسوف نسمي طفلتنا الأولى التي تشبه الملائكة كثيرا ً " بأميرة الثلج " لأن في مدينتنا فقط كل الفصول شتاء ، لأنكِ ياحبيبتي تعشقين فصل الشتاء دون فصول العام أجمع ، و سوف تغطي الثلوج شوارعنا كلها ليتسنى لك ِ يا أميرتي الحلوة أن تصنعي رجل الثلج في أي وقت تشائين ولتقذفيني بكرات الثلج كلما أردت اللهو واللعب ..
حبيبي من قال أن على المرأة الهرب من الرجل الكاذب أو أن تخشاه ؟! اكذب أكثر وأكثر وزدني فوق كذبك كذبا ً ، فكذبك الخيالي يغريني وعوالمك الساحرة تسرقني من صدق واقعي المؤلم ، أكذب لأعشقك أكثر ودعهم يعلموا أن أصدق الرجال حباً الرجل الكاذب .. وأعلم أني ما أحببت اللون الأبيض إلا لأنه يشبه كذبك لا أكثر ..
" أحلى شي فيك الي معلقني فيك إن كذبك بيتصدق هيك خليك كذبك حلو " *






*اغنية " كذبك حلو " لميادة بسيليس




من كتاب أحاديث الحب والهرب صفحة الكتاب على goodreads

الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2015

احتضان





بخطى سريعة أمضي نحو ذلك المبنى الكئيب المُمرض ، احاول تجنب النظر لتلك اليافطة الضخمة التي تعلوه ، وللأسف أفشل ، فتقع عيني على هذه الكلمات الموحشة والقابضة للقلب " معهد أورام جنوب الصعيد " فتسري في جسدي القشعريرة وكأن شبح الموت الحائم هنا نفث بعض أنفاسه الباردة في وجهي ، فأحكم إغلاق معطفي جيداً وأكمل طريقي مسرعة ..

يرن هاتفي فأجيب بكلمات مقتضبة : نعم أنا هنا الآن ، لا تقلقي ، سوف أصل سريعا ً ..

وأمام بوابة الإستقبال أتمهل قليلا ًفي السير وأسأل حارس البوابة غير المكترث بمن يمر أو يخرج :- لو سمحت معمل الدم فين؟

ولكنه لا يجيبني ويكتفي بدلاً من ذلك بالإشارة بذراعه الطويلة ناحية اليمين ، فأشكره وأمضي، لم يكن الطريق طويلا ً حتى أصل لوجهتي التي أريدها ، ولكن ذكرياتي المؤلمة عن من ماتوا يوماً ما في مثل هذه الأماكن الموحشة ، جعلني أشعر بأن الدقائق التي أقضيها هنا تمر كأنها دهر .
وأمام معمل الدم أخذ نفساً عميقاً ثم أطرق على الباب طرقات خفيفة ووجلة ، ولكن لا يجيبني أحد من الداخل ، حتى هذه الطبيبة الجالسة على المكتب المقابل للباب والتي ألمحها من زجاج الغرفة ، فأزيح الباب قليلا ً بيدي وأدلف ، ترفع عينيها قليلا ًعن أوراقها المتناثرة أمامها وتنظر لي بدون إهتمام ، أخبرها بأني هنا للتبرع بالدم لمريضة ما لا أعرف عنها شئ سوى اسمها , والذى أخبروني به عبر الهاتف ، فتقلب في أوراقها ثم تجيب بضيق :- نعم يوجد مريضة بهذا الاسم ، انتظرى بالخارج قليلا ًوسوف آتيكِ عندما أنتهي من عملي ، أتمالك غضبي من طريقتها البغيضة وأخرج وأنا أتسائل بينى وبين نفسي :-

هل كل من يتواجد هنا بغيضون هكذا ؟!

هل كآبة مبناهم ووحشته أنعكست عليهم ؟!

أم أن كأبتهم وعدم مبالاتهم هم هي التي انعكست على مبناهم ؟ !

وفي الردهة أقف وحيدة تماماً ، وقلقة بعض الشئ من هواجسي البغيضة التي تملكتني كالخوف من الإصابة بالدوار الشديد أو سقوطي مغشياً علي بعد التبرع مثل المرة السابقة ، فأندم قليلا ًعلي حضوري وحدي بدون إنتظار من يأتي معي ، أسير بضع خطوات للأمام في محاولة يائسة للتغلب علي هواجسي المقلقة تلك، وأنا ألتقط بعض قطع الحلوى الصغيرة من حقيبتي وأحشرها بداخل فمي ، علي أمل رفع مستوى السكر في دمي حتى لا أصاب بالهبوط والدوار لاحقاً، وأحدث نفسي : - ما أنت ِ طول عمرك وحدك أيه الجديد يعني ؟!

وعلى بعد خطوات قليلة ألمحها ، فتاة قروية نحيلة الجسد ، شاحبة الوجه ، من يراها يخيل له بأنها لم تأكل منذ زمن بعيد ، ولكن أكثر ما يلفت انتباهي لها طول ذراعيها النحيلتين اللتين كانتا تلوح بهم عند حديثها مع المرأة التي بجوارها ، كانت تخبرها عن أمها المريضة التى تنتظر متبرع مناسب منذ أيام ، وعندما تنتبه لوجودي تقترب مني قليلاًوتسألني عن اسمي، فتبتهج عندما تدرك بأني ذلك الشخص المنتظر ليمنح أمها بعض قطرات من الدم وبالتالي بعض الوقت الإضافي للإستمرار في هذه الحياة البائسة .
في عفوية غريبة كأنها تعرفني منذ زمن تأخذ بيدي وتجلسني بجوارها ، ثم تفتح كيساً بلاستيكياً أسود وتخرج علبتين من العصير الصناعي ، فتدس أحداهما في يدي بعدما أزاحت عنها غطاؤها وهى تصر أن أشربها ، متمرسة هى بالطبع في مثل هذه الأمور واعتادت عليها ، فأنا لم أكن المتبرع الأول لأمها ولن أكون الأخير لتفعل ذلك .
اعتذرت لها بلباقة بأنني غير قادرة الآن علي شرب أي شئ ، يكفيني قطع الحلوى التي أكلتها منذ قليل وبعض العلكة التى ألوكها فى فمى ، وعندما تفشل في اقناعي تخبرني أنها سوف تحتفظ بهم لأشربهم لاحقاً بعد الإنتهاء من التبرع ، أبتسم بلطف وأشكرها ، وأنا أحاول إخفاء رغبتي في إخبارها بأن من عليها أن تشرب هي ولست أنا، فهي بالتأكيد أولي بها مني بجسدها الضامر هذا ووجهها المجهد الشاحب .
تعود للحديث مرة أخرى مع تلك المرأة التي بجوارها عن والدتها المريضة ، وهي تنظر لي من حين لآخر كأنها تريد أن تُشركني الحديث معهم ، ولكني أهرب من عينيها الحزنتين بالنظر في الإتجاه الآخر ، لا أريد سماع ما يزيدني وجعا ً .. وحزناً .. وكآبة ، أنا هنا فقط لزيادة رصيد حسناتي قليلا ًبتبرعي ببعض دمي لمريضة في حاجة ماسة له ، لا فائدة إذا ً من تعاطف زائف لبعض الوقت وعند عودتي للمنزل سأنسى كل شئ عنها ، اسمها ، مرضها ، ومأساتها أيضاً ! ،كل ما أريده الآن إنهاء ما جئت من أجله سريعا ً وأرحل ..
في ذلك الحين تخرج الطبيبة وتشير لي بأن أتبعها ، أنهض وأتبعها للداخل وأغيب هناك بضع دقائق ، وعندما أنتهي أخرج مسرعة بإتجاه الباب لأعود سريعا ً إلي المنزل ، فأجدها تقف بإنتظاري على باب الغرفة ، تحمل في يديها علبة العصير التي أصرت أن تحتفظ بها لأشربها لاحقا ً ، حاولت التهرب منها وأتعلل بأنى بخير و لا أحتاج لشئ ، وأن كل ما أريده الآن الرحيل ، فتشكرني كثيراً وهي تدعو لي بدوام الصحة والعافية ، فأبتسم لها وأدعو بالشفاء العاجل لوالدتها المريضة ، وبنفس عفويتها السابقة تقوم بإحتضاني ، لا أعلم كيف أستطاعت إحتوائي كلي هكذا ! ، هل ساعدها في ذلك بنية جسدى الصغيرة ؟! أم طول ذراعيها النحيلتين ؟! أم الإثنين معا ً ؟!

احتضانها المفأجئ هذا جعلني أسكن قليلاً ، جعلني أنسي شعور الدوار والتعب اللذين ألما بي ، وجعلني أنسي كم كنت أكره سابقا ًاحتضان الآخرين لي ، وجعلني أبحث في ذاكرتي عن سابقة احتضان مثل هذا، ولكني لم أجد حضناً يشبه هذا الحضن الغريب ، حضنها الدافئ في ليلة شتوية باردة من كل شئ، جعل الجليد الذي بداخلي يذوب ويتساقط ، هذه وحدتي تذوب وتتساقط ، وهذه مشاعرى اللامبالاية تذوب وتتساقط ، حتي قوتي الزائفة التى كنت أتصنعها كانت تذوب وتتساقط ..
كنت أرغب في البقاء هنا لفترة أطول ، لكن علي أن أغادر الآن بذاكرة الإحتضان الدافئ هذا من فتاة لا أعرفها ، على أمل أن أجد ذكرى مشابه فى حضن أعرفه ، شكرتني للمرة الأخيرة وشكرتها أنا أيضا ً ، على القسمة العادلة التي حصلنا عليها بعض من دمي مقابل بعض من حنانها الذي أذاب الثلج المتراكم منذ سنوات ، أودعها وأمضي مسرعة للخارج وأنا أردد بصوت خافت :-
“أما الدنيا دي حلوة حلاوة
يخرب بيت كده..
تمد إيدك تساعد حد
يرد عليك بنظرة رضا..
ما تعرفش ساعتها
مين اللى كان محتاج للتانى ..” *

*لــ علي سلامة



من كتاب أحاديث الحب والهرب صفحة الكتاب على goodreads

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

رسالة وجواب؟!






زمان كنت بسمع جملة " هبعت جواب " او " جالي جواب " كتير ،  دلوقتي بقينا بنقول " هكتب رسالة " او " هبعت رسالة " بصورة اكتر ..
لما كنا بنقول "هنبعت جواب" كنا عارفين ان في رد جاي اكيد على كل الاسئلة ..
انما دلوقتي بنقول " هكتب رسالة " واحنا واثقين ان كل الرسايل صبحت اسئلة ملهاش جواب ...

عشان كده " هبعتلك جواب " واتمني فى يوم يوصلني رد على كل الاسئلة ...

هبعتلك جواب .. جايز يوصل .. وجايز ميوصلش
جايز تكون دلوقتي بتسمعه وحسيته ، وجايز تكون دلوقتي بتسمعه ومهتمتش

جواب فضفضة أكتر من أنه رسالة عتاب ولوم ، جواب فيه بسألك أخدت ليه من نفسك قرار غيابك من غير ما تديني فرصة كافية عشان استوعب قرارك وصدمتك ؟من غير ما تديني فرصة لمواجهة بيني وبينك تجاوب فيها قبل ما تمشي على كل اسئلتي المشروعة ؟
أول سؤال :-
هو انت ليه دايما كده ؟!
دايما بتهرب من المواجهة والاعتراف بالحقيقة مهما كانت مؤلمة ؟

تاني سؤال :-
هو انت ليه جيت اصلاً هنا ؟ وخبطت ليه على البيبان ؟ وفضلت ليه واقف وباصرار عجيب خلتني افتحلك القلب اللى اتقفل من زمن ؟
وليه فى لحظة يأس وانهزام قررت تبعد ، وتغيب ، وتمحي كل شئ بجرة قلم ؟

تالت سؤال :-
تقدر تقولى ايه الغلط اللى ارتكبته فى يوم معاك ؟ وايه ذنبي أنا أني صدقت جرح القلوب هيتطيب على ايدك وبهواك ؟ وان البشر مش كلهم صنف واحد ، ليه طمنت قلبى اوي بأن اللى جاي احسن ، وان الحلم هيبقى اجمل ، وان الثقة فى كل البشر بيك هترجع أحسن من الاول ؟اما انت ناوي تغدر زيهم وعدت ليه ؟!
رابع سؤال :-
ليه وعدتني بحكاية مختلفة عن كل حكايات البشر المتكررة ؟ ونهاية تانية غير نهايات الفراق ؟
وللاسف قررت تهديني نفس النهاية ، وسبتني اخترعلك كل يوم اسباب جديدة عن بعادك ، وواجه كل البشر فى كل لحظة وكل ثانية بابتسامة المهزوم اوي ، واتجمل قدامهم بالنسيان ؟

خامس سؤال :-
مين اللى قال ان لما يضيع حلم الوطن .. لازم يضيع معاه كمان حلمنا ؟!
مين اللى قال لما الوطن بيبع حلمنا ويرخص دمنا .. نبيع احنا كمان حبنا ؟
ليه مقدرتش تحمي نفسك من الانهزام والانكسار ؟ ليه مفضلتش هنا ، انا وانت نقوى بعض ؟

اخر سؤال :-
وفى النهاية ليه مقدرتش تكون شجاع ، تهديني كلمة اسف وكلمة وداع تليق بكل اللي حصل ؟!