الاثنين، 18 فبراير، 2013

هو أنا ليه عايزة أتجوز ؟


حلقة من برنامج دماغى حرة مستقلة 
تقديم : ولاء عبد المعز 
إعداد : آيات مختار
 إخراج : سمر عبد العزيز


السبت، 2 فبراير، 2013

عن الـــــــ لا التى تساوى ثلاثة دولار



 
تذكرون تلك القصة القديمة التى تحكي عن ملك يبحث عن السعادة ، فيخبره احدى الحكماء بأن عليه ان يرتدى قميص شخص سعيد ليسعد ، فيعرف أن هناك رجل سعيد يعيش أعلى الجبل ، فيذهب إليه ويعرض عليه المال وكل ما يريد ليعطيه قميصه ، فأعطاه الفقير قميصه بالفعل بدون اى مقابل ولكن الملك بعد أيام عاد إليه ليخبره بأنه لم يشعر بأى سعادة ، فأخبره الرجل بأن السعادة لا تكمن فى شئ نلبسه وأنما السعادة الحقيقة تكمن فى العطاء لا فى الأخذ ، وأن السعادة الحقيقة تأتى من الرضا بالحال .. 

بالتأكيد كلنا نحفظ تلك القصة ، وبعضنا تندر عليها وقال أنه لو فى مكان الرجل الفقير لطلب كل ما يريد من المال من الملك .. وبذلك يكون ضرب عصفورين بحجر واحد بإمتلاكه السعادة والمال معا !!

تذكرت تلك القصة وأنا اعبر الطريق عائدة للمنزل بعدما انتهيت من حضور أحدى الندوات دعتنى إليها إحدى قريباتى ،  والتى تتحدث عن التسويق الشفهى او الشبكى أو الهرمى _ اى كان مسميات _ لهذا الأمر الذى انتشر بكثرة هذه الأيام ، لم تخبرنى بتفاصيل كثيرة وهى تتدعونى ولكنها أخبرتنى بأنها فرصة عمل عظيمة ومربحة فى أقل وقت وأقل مجهود ممكن ، فأدركت انها تقصد هذا النوع من العمل ، لأن لدى تصور مسبق عن الموضوع من قبل أن أذهب ، فهذه ليست المرة الأولى الذى يعرض علي شئ مماثل لمثل هذا الأمر ، وفى كل مرة كنت استمع و اتردد قليلا ثم ارفض ، انما هذه المرة ذهبت وانا لدى فضول للاستماع الجادة ، وبرغبة قوية لفهم هذا الأمر ، لعلنى اعرف ما المبهر فى الامر لهذه الدرجة يجعل من الاخرين وخاصتا الشباب يتهافتون عليه !
وفي الندوة أو المؤتمر كما يحبون تسميته كان معظم القائمين عليه من المنسقين والمحاضرين من الشباب فى سن العشرين " 21 ، 22، 23 " حتى الفئة المستهدفة من المستمعين كانت فى تلك الفئة العمرية أيضا ً ، شاب لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين من عمره ، يقف ليحدثك عن دخله الشهرى الذى أصبح حالياً لا يقل عن ستة الالف جنيه فى أقل من سنتين وكيف استطاع خلال هذه المدة القصيرة أن يمتلك سيارة ، وأنه فى طريقه لتحقيق حلمه فى شراء شقة وهو مازال يدرس فى الجامعة ، فى عمل لا يكلفه فقط سوى ساعتين من اليوم يعتمد فقط على اقناع الاخرين بأن يقوموا هم أيضاً باقناع اخرين يقومون بدورهم بإقناع اخرين بما اقنعهم به الأول !! 

وهكذا تستمر دائرة الاقناع ولا تنتهى أبدا ً وفى مقابل ذلك تحصد المال الوفير ، لتشترى به سيارة وشقة وتمتلك حساب مصرفى فى البنك وأنت مازالت فى العشرين من عمرك ، يابلاش !!

كنت استمع لذلك الشباب وأتذكر نفسى منذ ثلاث او اربع سنوات تقريبا قبل الآن ، وانا أحضر أحدى السيمنارات التى تخبرك كيف تصبح ثرى فى وقت قصير ، كيف تفكر كما يفكر الأغنياء ، كيف تمتلك المال  و .. و .. و  ، بنفس الطريقة ونفس أسلوب العرض ونفس الفئة المستهدفة ، من حيث الاستعانة بالشباب صغير السن ليخبروك كيف أصبحوا ناجحين  فى أقل وقت وأقل مجهود ممكن وهم مازالوا فى ذلك سن الصغير جدا !!

وفى الحقيقة كانوا ماهرين جدا فى أقناعى لدرجة جعلتنى  اتحمس وأقرر أن اغتنم الفرصة الذهبية وأسير فى طريق الثراء السريع وألحق بركب الاغنياء ، وان اصل بسرعة الصاروخ للقمة ، بأن الغى سنوات كثيرة سوف تهدر منى فى اعمال لا جدوى منها ابذل فيها الكثير من الوقت والمجهود وفى النهاية لا استطيع ان اصنع شئ بالدخل القليل الذى اجنيه !!

 وعندما عدت للمنزل حاولت أقناع امى بأن اريد ثلاث الاف جنيه سريعاً لاحصل على احدى الكورسات المطلوبة فى سوق العمل وبمجرد الحصول عليها سوف يمكنى العمل فى نفس الشركة وان ثلاث الاف جنيه لا شئ مقارنة بما سوف اجنيه مستقبلا !


وبطبيعة الحال رفضت امى لأنها رأت ان الامر غير منطقى بالمرة ، وان علي التوقف عن التهور واهدار المال القليل الذى بين أيدينا لشئ فى علم الغيب ، وأما أنا فقد اتهمتها بأنها تفكر بعقلية الفقراء فقط الخائفين على القليل الذى لديهم واننا سوف نظل دائما فى ذات المكان والحال لاننا لا نجيد المخاطرة ولا نعرف كيف يفكر الاغنياء فاخبرتنى بكلمات قليل دائما ً ما اسمعها منها :-

 " تغور الفلوس احنا مش عايزين غير الستر "

الآن تتردد هذه الجملة فى عقلى والآن أدركت ماذا كانت تقصد تماما ً ، فى تلك اللحظة فقط وبعد سنوات طويلة فى جدال مع امى عن ضرورة تغير ما تعتنقه وتعتقد به  فتتهمنى هى دوما ً بالنظر للأعلى وعدم الرضا ، وانا اتهمها بعدم الطموح والتطلع لما هو أفضل ..

الآن فقط ادركت أن القليل الذى قنعت به أمى أفضل ألف مرة من الكثير الذى كنت احلم به منذ سنوات حتى الآن ، الآن ادركت ان امى بعد سنوات طويلة من العمل والكد والشقاء ربحت هى ، وخسرت من كانت تتباهى ليل نهار بإموالها ، الآن أدركت ما جنت أمى وما تركت فينا من حب وايثار وتكاتف ، وما جنت الآخرى من فرقة وأنانية وتصارع على المال ، الآن فقط أدركت أن العمل لشهور عديدة لشراء شئ تمنيته وحلمت به له حلاوة ومذاق أخر افضل الف مرة من مال يأتينى وأنا جالسة فأفرح به ، الآن أدركت ما كانت تحاول اقناعنا به منذ كنا صغار الا ننطلع لما يمتلكه الاخرون والنظر لما بين أيديهم ، أن نشترى ما نريد لا ما يمتلكه الاخرون حتى نبقى مثلهم فقط ، هذه الدنيا مقسمة بها الأرزاق بين غنى وفقير والجميع مرزقون من الله ولا احد يأخذ أكثر مما كتب له ، المال قد يشترى اشياء كثيرة لكن لن يجلب لك السعادة وراحة البال وبقاء الاخرين بجانبك لذاتك لا لمالك ، هؤلاء كل ما زرعوه وحصدوه المال ، ونحن ما حصدناه مال قليل ولكن ما زرعنا بداخلنا أكبر من ذلك .

ولن من المفترض أن أبلغ صاحبة العرض برفضى أو قبولى ، مع العلم أن رفضى سوف يجلب لها المال فى حسابها البنكى ايضا ً ، فكل رفض يقابله ثلاثة دولار فى حسابها ، لذا انا ارفض واقول  " لا " التى تساوى ثلاثة دولار اضافية فى رصيدك ، ولكنها تساوى عندى مستقبل لا أريد أن اخسره وأنا اسعى فقط لتكديس المال  ، وحياة لا أريد أن اشوهها عندما اتحول فقط لالة حاسبة كل ما تجمعه وتتطرحه المال ، أو أتحول لألة لجمع المال وكل ما أفكر به كيف أكسبه ؟ ومن أين آتى به ؟ وفيم أنفقه ؟ 

وتساوى عندى أحلام خاصة بى اريد تحقيقها بنفسى ، لا احلام معلبة وجاهزة " تشمل سيارة ومنزل وحساب بنكى " ، أحلام تتشابه جميعا ولا تميز فيها ولا معنى لها سواء اننا نريد ان نحقق ما حققه الآخرون فقط  .
نعم المال مهم ومهم جدا ً أحيانا ، ومخطئ من يقلل من قيمته وأهميته ولكنه ليس الأهم دائماً ، ولا هو من خلقنا فقط من أجله  ، سوف أقبل أن اعيش فى واقع صنعته بيدى يبقى حقيقة دائمة حتى وأن كان قليل ، لا وهم صنعه الآخرون قد يكون حقيقة يوما ما  فأخبركم  بأننى كنت على صواب وأنتم على خطأ .


وبعيدا عن مشروعية الأمر أو حرمانيته ، وبعيدا هدف هذه الشركات التى لا تقام الا فى المجتمعات الفقيرة والتى يغلب عليها الفقر والأمية فى محاولة للاستغلال طموح الشباب وأحلامهم ورغبتهم فى الثراء السريع ، وبعيدا عن محاولات تحويلنا لمجتمعات مستهلكة كل ما تفكر فيه فقط الشراء والمال ، وبعيدا عن تحويل أموالنا للخارج بالملايين لشراء اشياء وهمية بحجة أنها ذات قيمة وباسعار معقولة بدلا من بقاءها فى المجتمع للإفادة به ، وبعيدا عن أننا لم نخلق لنصبح جميعا رجال وسيدات أعمال لا نفكر الا فى البيزنس ورصيدنا اصبح كم حتى الآن ؟ ، وبعيدا عن أننا بعد فترة قليلة سوف نجد من الشباب من يهجر معظم المجلات المتنوعة فى التعلم والعمل ويهرع للذلك المجال فقط حتى نصبح بعد فترة مجتمع لا يمتلك عقول كل ما تفكر فيه المال .. المال .. المال  ..


 إلا اننى مازالت لا أريد أحباطكم أيها الشباب الباحث عن الثراء السريع ، أن كان هذا حلمكم ففعلوه ولكنه بالتأكيد ليس حلمى مطلقا ً ، ولكن تذكروا وانتم تخطون خطوات سريعة نحو " وهم قد يصبح حقيقة " أنكم لم تحصلوا على شئ من هذه الدنيا سوى المال ، وفى سبيل ذلك خسرتم كل شئ أنفسكم .. أحلامكم .. طموحاتكم .. قناعاتكم .. خططتكم .. اهدافكم .. سعادتكم .. خبراتكم .. تعاستكم احيانا .. وفرحكم احيانا اخرى .. فشلكم مرة .. ونجاحكم مرات .. كل ذلك وأكثر سوف تخسرونه لو لم يكون ذلك سوى رغبة فى الثراء السريع لا أكثر ..

أم انا فسوف ابقى كما انا احلم واحقق ما احلم به ببطئ شديد مستمتعة بكل لحظة افشل وانجح بها ، سوف استمر فى طموحاتى وأحلامى وحتى وأن مضى العمر كله ولم أحقق إلا القليل ، وسوف اعتنق فكر أمى الذى طالما جادلتها فيه قديما ً :-


 " تغور الفلوس مش عايزين غير الستر " 


وسوف انقل قناعاتى هذه  لأبنائى فى المستقبل فالمال عندى ليس كل شئ ، وأنما ما سوف نخرج به من هذه الحياة هو الأهم فقط .