الجمعة، 6 ديسمبر، 2013

تحديث .. رحيـــــــــل مــــلاك









_لماذا أنتِ هكذا لا تبالين بفكرة الموت ؟؟؟

سؤال ظل يتردد بداخلي كثيراً من سنوات عديدة ، ولكني دائما ما أتعمد الهرب من إجابته حتى تلك اللحظة التي ألحت  هى لتعرف إجابة لسؤالها المعقد .

_جاءنى صوتها مرة آخرى لكن هذه المرة بنبرة أعنف :

لماذا أنتِ هكذا لا تبالين بفكرة الموت ؟؟؟


_لكم يعذبني سؤالك هذا .. وسوف يعيدني إلى سنوات مضت وولت ولا أرغب حقا فى تذكرها الآن ، لكن تريدين حقاً معرفة الإجابة على سؤالك .. سوف أخبرك .. لكن قبل أن أجيبك أخبريني أنتِ : ماذا تعرفين عن الموت ؟ أو ماذا يعنى لك ِ الموت ؟؟؟

_الموت فراق .. يفارقنا من نحب إلى عالم آخر ويتركنا فى الحياة الدنيا نتجرع ألم الفراق .

_ لا .. الموت ليس كذلك .. سوف أخبرك أنا ما الموت حقاً .. الموت هو " انفصال الروح عن الجسد بعد أن كانت سارية في نسيجه وسائر خلاياه " هكذا يعرفه العلم هذه هى حقيقة الموت ببساطة .

_هكذا انتِ دائما تميلين إلى فلسفة الأمور ووضعها فى ميزان العلم والعقل لكن الروح وإحساس القلب منعدم لديكِ حتى سؤالي لما تجيبين عليه .


_بل أجبتُك عليه وأنتِ لم تفهمي .. لكن سوف أقص عليكِ قصة لتعرفى بها حقيقة الموت .. ولماذا أنا لا أبالي بالموت حقاً


".. منذ سنوات بعيدة جاءنا ملاك زائر .. جاء ليحيى بيننا .. استقبلناه بحفاوة مطلقة .. منذ لحظة قدومه الأولى أشاع البراءة والنقاء فى بيتنا المتواضع .. كان حضوره مميز حقاً ، استطاع أن يسلب قلوب الجميع بسحره وبراءته .. أحبته أمى حباً جماً .. وكذلك إخوتى .. أما أنا فقد كنت أراه شئ آخر .. كنت أراه ملاكى الخاص بى أنا فقط .. 

كان ينشر براءته على العالم أجمع .. إنما فى النهاية أعلم انه لي _ لي أنا وحدي فقط .. سنوات قضيناها معاً لم نفترق مطلقاً ولو للحظات .. أول وجه تراه عينى فى الصباح ..وأخر من تغلق عينى عنه فى المساء .



كانت لديه تلك اللمسات الحانية الغريبة .. والتي كان يختصني بها كل يوم عندما يربت على كتفي ..  أماعند النوم فكان يتشبث بي بكلتا يديه ويلتصق بي ..  كانت تلك الفعلة تثير حنقي كثيرا ً .. وما أن إشرع فى إبعاد يديه عنى وأزيل تشابكهما حول خصري .. حتى يعاود الكرة مرة آخرى .. كأنه يريد أن يقول :

لا أريد أن أتركك .. أخاف الفراق .. لابد أن نظل هكذا حتى لا نفترق .. نحن شئ واحد وكيان واحد.

ومرت السنوات .. نستيقظ معاً .. نلهو معاً .. نذهب للنوم معاً ..حتى جاء يوم مرض ملاكي .. وكنت أظن أن الملائكة لا تمرض مثلنا قط  ..كأن ما بها من طهر ونقاء يحميها من الشرور ومن أمراض البشر .

سنوات تتطوى الآخرى .. ومن طبيب لآخر .. وتستمر رحلة العلاج الطويلة .. تغيرفيها ملاكي كثيرا ً.. بعدما كنت أستيقظ على وجهه الملائكي الراقد أمامي كل صباح .. أجده يزيح وجه بعيد عني .. لا يريد لأحد أن يرى تغير ملامحه الملائكية ..



كنت ألمحه ينظر بالساعات في المرآة ليعرف مدى ازدياد وزنه .. وما تأثير ذلك الدواء اللعين على نموه الجسدي .. وعلى الرغم
من ذلك فقد كان في نظرى أجمل وأنقى ملاك رأته عينى يوماً ..


ومن بعد بهجة كانت تعم البيت .. أنقلب لشئ آخر .. يخلو من السعادة والسرور  .. الكل حزين ومهموم .. نرى ذبوله ولا نستطيع أن نقدم له يد المساعدة .




أما أنا فقدت أنطلقت من مرحلة الطفولة لمرحلة المراهقة .. وإلى مدرسة جديدة .. وأصدقاء جدد .. وتركت ملاكي وحيداً فى مدرستنا القديم يعاني من نظرات الشفقة فى عيون من حوله ..

ومن نظرات السخرية والإيذاء من الأطفال فى نفس سنه في مدرسته .. كنت ألمح نظرات الحزن ترسو في جفنيه .. يستنجد
.بى ألا أتركه وحيداً يعانى مع بشر لا تعرف الرحمة


ولكن على الرغم من كل ذلك لازال يتحلى بالإيمان وبالصبر .. لا يريد أن يرهق أحدا َ أو يبعث الغم والحزن بداخلنا .. وخاصة أمي .. حتى في شدة الألم والمعاناة ترى الابتسامة تنير وجهه .. حتى لمسته الحانية لم ينس َ أن يهدينى أياها كل يوم .. أما تشبثه بي كل ليلة أصبح من الماضي .. كأنما يريد أن يقول لي :

" ما فائدة تشبثى بك الآن ولقد أزف الرحيل ! "

لقد قرر الرحيل وفي عينيه دموع محبوسة .. وعلى شفتيه كلمات تأبى الخروج  .. لكني علمت ماذا يريد أن يقول .. كان يريد أن يقول : " لقد أثقلت عليكم  .. وبدلاً من أجلب لكم السعادة جلبت لكم الآحزان .. توهمت يومها أنها مجرد اوهام بمخيلتى ليست حقيقية "


لم أذق طعم النوم يومها .. وكيف أنام ويرقد ملاكي في مشفى حقير .. ومن حوله أطباء لا تعرف رحمة ولا شفقة بمريض ..
وتحيط  به أجهزة موصلة بجسده وقلبه  .. ونبضه ساكن  .. غائب عن الوعي .. ولكن ليس غائباً الإحساس .. شعور غريب أصابني كأن قلبي طُعن بخنجر ، حقاً كنت أعاني الآلام أنا الآخرى .


ساعات قليلة قضيتها خارج المنزل .. وعندى عودتي لمحت المودعين مصطفين على الجانبين  ..  لم أصدق عيني .. كيف له أن يرحل ؟ كيف يتأخذ مثل هذا القرار ؟ كيف يرحل دون أن يلقي على مسامعي تحية الوداع ؟ دون أن يهديني لمسته الحانية الأخيرة ؟ دون أن يبتسم فى وجهي ابتسامة الرضا الدائم على وجه رغم الألم ؟ كيف يرحل ولا يمهلني فرصة حتى لقبلة الوداع ؟! .


وعندما أحل بي التعب وأغمضت عيني لبضع لحظات .. جاءني في المنام .. يلعب مع ملائكة أخرى مثله .. ولأول مرة منذ مدة أسمع ضحكاته.. طلبت منه أن يعود معي ولا يتركني وحيدة .. مددت يدي إليه .. ومد هو يديه ..  لكن لم نستطع الوصول مطلقاً  .. نظر لي نظرة حزينة ثم تركني وانصرف .. بعدما أخبرني أن لنا موعداً آخر .. وكلماته تتردد بأذني حتى بعد استيقاظى..

"فأنا أحيا الآن فى موطني .. وسط الملائكة .. وأن غبت بجسدى فمعكم بروحي "


ومنذ ذلك اليوم توالى رحيل الملائكة والبشر .. وحتى الشياطين .. فالرحيل سنة للحياة ..  ولكن الأهم من ذلك حكمة الرحيل ..  ماذا ترك لنا الرحلون من بعد رحيلهم ؟؟؟

ملاكي ترك لي الصبر .. وترك لي الرضا بقضاء الله .. وترك لي معنى آخر للحياة .. " مهما طال الزمن أو قصر فكلنا راحلون .. ولكن من منا سوف يرحل وهو فائز بالجِنان ؟ من منا سوف يرحل فى مثل طهر الملائكة وبراءة الأطفال ؟ "


فالموت ما هو إلا خروج الروح عن الجسد .. لتسكن بداخل أرواحنا .. لنكمل نحن مسيرة الحياة.

هناك 33 تعليقًا:

  1. السلام عليكم
    احجز اول تعليق

    ردحذف
  2. رجعتني التدوينة لثمانية أشهر مضت ..
    يوم رحل أبي ..
    تركت روحه جسده ولكنها لم تتركنا ..
    أسوأ يوم طلعت عليه الشمس يوم ان انقض الأمر ورحل أبي دون وداع ..
    لو كنت امتلك ساعتها أن اهديه روحي لفعلت ولكن هكذا الدنيا ...
    ..... هذه هي النهاية .....

    ردحذف
  3. الموت هو الموت

    هو الحقيقه الوحيده فى هذه الحياه

    شئنا ام ابينا

    ردحذف
  4. الموت نهاية أم بداية؟ .. نهاية رحلة لشخص فى الدنيا وبداية عذابات من يحبه

    ربنا يرحم الجميع ويرحمنا يارب

    ردحذف
  5. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    الأخت الكريمة آيوشة
    كان لدى أهلنا قديما اعتقاد لا أعرف مصدره أن هناك أطفال ( أبناء موت )
    تحكى لى أمى عن خال لى لم يعش غير 3 سنوات و خلال تلك السنوات لم يلمسه جدى رحمه الله كان يقول لهم هذا الولد ابن موت و لا أريد أن أتعلق به فيموت و احزن عليه كثيرا و تقول أمى أن جمال هذا الطفل لم يكن عاديا ....
    لا أعرف لماذا خطرت لى هذه القصة عندما قرأت كلامك...
    أسلوب حضرتك مؤثر
    بارك الله فيك

    ردحذف
  6. لااله الا الله

    ربنا يارب يبركلك انا مش عارف ارد اقول ايه ..؟؟ شئ صعب جدا جدا

    ربنا يسمحك بقى بجد

    ردحذف
  7. احساس صعب من احاسسيك يا ارق ايوشه

    ربنا يرحمنا برحمته الواسعه
    بحبك اوووووووووووووووووووى

    ردحذف
  8. الموت بدايه لرحله اللانهايه

    ربنا يرزقنا حسن الخاتمه

    بوست مؤثر وكلمات رقيقه ولكنها قويه

    تحياتي

    ردحذف
  9. شوفتي المواصلات عطلتني قد ايه
    لو فيه بدلات بناخدها زي الناسكنت اخدت تاكسي بدل التكتك اللي ماشي على سرعة نص متر

    ردحذف
  10. جميلة جدا التدوينة
    والموت فعلا نهاية لشيء واحد هو العمل
    لكن استمرار لحياوات اخرى
    حياة بشر بيعمرو الارض
    وحياة من نوع اخر للناس اللي بتفارقنا
    اللهم ارحمنا وارحمهم

    ردحذف
  11. رحيل ... فراق ... موت

    نهاية محتومة

    تدوينة جميلة ياايوشة

    وربنا يحسن ختامنا كلنا

    ردحذف
  12. السلام عليكم
    يااااااااااااااااه
    كل نفس ذائقة الموت فعلا ولو كنا في ابراج مشيده
    بس فعلا الكسبان اللي يعمل في دنيته ويترك اثر كويس في نفوس الناس قبل رحيله ويدخل الجنه
    يارب اكتبهالنا

    ردحذف
  13. اصعب شىء فى الدنيا دى هو الفراق
    الم ما بعده الم
    بس الموت علينا حق وقدر لابد منه
    وعلينا ان نتحلى بالصبر فكلنا راحلون
    واحشانى جدا

    ردحذف
  14. قد ايه البوست ده مؤثر أوي أيوشة.أنا عمال بقولك فعلا قدرتك ع التعبير بتتطور بشكل رائع في كل بوست عن التاني أي كان الموضوع
    الموت مؤلم وتحربة قاسية ولكنه يظل الحقيقة الوحيدة في حياتنا
    نفسي الناس تفهم كده عشان يعملوا خير في الدنيا
    تحياتي ايوشة

    ردحذف
  15. لا ترحل الملائكة الا عندما نرتكب الذنوب
    اعلم من انتى ولكن من كان يسألك لعلها الملاك او لعلها انتى
    اتسائل من الملاك ..لا لا اريد ان اعرف من الملاك لأننى اعرف من انتى

    تحياتى

    ردحذف
  16. الموت مصيبة لابد منها لكن الاخطر منها هو كيفية مواجهتها والاستعداد لها ... لذلك كثيراً ما يتغافل الانسان عنها بالكلية حتى يريح نفسه من عناء التفكير والاستعداد

    كالعادة طرح مميز واسلوب أكثر تميزاً
    تحياتي

    ردحذف
  17. ايوشه

    القصه دى بجد ولا من ابداعات قلمك
    اذا كانت بجد .. لله ما آخذ ولله ما اعطى .. الملائكه هكذ لا يستقر بهم المقام مع الناس

    اما الموت فلماذا نحاول فلسفته ولم يعد منه احدا ليخبرنا ما هو الموت وماذا بعد الموت .. المهم ان يكون فى داخلنا رضاء بقضاء الله وقدره وايمان بأننا فى النهاية زائلون .. ومهما حاولنا ان نجد له تفسيرا او تأويلا فلن نستطيع ان نعرف كنهه .. لانه من المحسوسات والانسان جبل على الملموس اما المحسوس فهو من عند الله

    ردحذف
  18. موت ده حقيقة
    مهما نعمل ومهما نعيش ومهما نسعى
    هو ده الحاجة الوحيدة
    الى متاكدين انها جاية لا محالة

    ردحذف
  19. أيوشة
    إبنة الصعيد
    كانوا يرددون دائماً أن أبناء الصعيد قلوبهم قاسية
    وهناعبر تلك المدونة أرى فيض من الرقة وقمة المشاعر الجميلة التي تختزن الكثير من فضائل النفس البشرية التي تتأثر وتتفاعل مع كل ماهو إنساني ويحمل دلالات الروح الملائكية
    أيوشة بلا شك جائت تدوينتك مؤثرة وموجعة تدوينتك مرآة نرى فيها تلك الحالة التي مررنا بها تقريباً البعض منا
    ومرحلة وحالة كل منا واردها شاء أم أبىَ
    أيوشة الرقيقة
    تحياتي
    حسن أرابيسك

    ردحذف
  20. الموت فراق عنيف جدا ..
    مشاعر الفراق اللي بالقوة دة بتبقى صعبة اوي ..
    خصوصا لما تعرفي انه لا لقاء الا بعد امد قد يكون طويلاً ..
    مؤلم اوي الكلام هنا و فكرني بناس حبيتهم اوي و فارقوا بنفس الطريقة ..
    يا رب..
    ارحمهم .

    ردحذف
  21. الموت حقيقه بس بتخوف قوى

    لما خلاص يبقى حد ساكن جوانا

    يمشى وفى الوقت اللى بيمشى فيه نبقى

    متأكدين ان عمرنا ما هنشوفه ولا هنلمسه تانى

    مش عارفه اعلق على البوست ده

    ردحذف